التصحيف ؟!!

#1
الحمدلله رب العالمين والصلاة على رسوله الأمين , وبعد ,,
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,,

اللغة العربية هي اللغة الأم لنا , وهي لغة القرآن ومن أجمل اللغات عبر التاريخ وهي غنية بالمفردات والمترادفات ويقال أنها أصعب لغة في العالم .

وكتب اللغة طافحة بما لذ وطاب من الأدب والملح والطرائف , وهي معين لا ينضب وحديقة غناء لا يمكن لمن يعرفها إلا أن يعشقها ويرتع في بساتينها.


وقد أخترت لكم في لغة الضاد موضوع التصحيف :

يقول الإمام السخاوي في تعريف التصحيف :
" هو تحويل الكلمة عن الهيئة المتعارفة إلى غيرها " انتهى . " فتح المغيث " (3/72) .

وهذا من أحسن التعاريف وأشملها لجميع الصور التي يذكرها العلماء في التصحيف ، فإن العلماء أطلقوا التصحيف على العديد من الصور ، وهي :

1- تغيير في حروف الكلمة مما تختلف فيه صورة الخط : مثاله :
قال الشافعي : " صحف مالك في عمر بن عثمان وإنما هو عمرو بن عثمان ، وفي جابر بن عتيك وإنما هو جبر بن عتيك ، وفي عبد العزيز بن قرير وإنما هو عبد الملك بن قريب " انتهى . " معرفة علوم الحديث " (150) .
وقال أحمد : " صحف شعبة ( مالك بن عرفطة ) إنما هو خالد بن علقمة " انتهى .
"معرفة علوم الحديث" (146) .

2- تغيير في نقط أو شكل الكلمة مع بقاء صورة الخط : وهذا أكثر إطلاق المحدثين .
مثاله : تصحيف ابن معين العوام بن مراجم بالراء والجيم ، إلى مزاحم بالزاي والحاء .
"تدريب الراوي" (2/648) .

3- قلب الاسم : قال الحاكم : " سمعت أبا علي الحافظ يقول : صحف فيه أبو حنيفة ، لإجماع أصحاب الزهري على روايته عنه عن الربيع بن سبرة عن أبيه ( وهو إنما قال عن سبرة بن الربيع ) . "معرفة علوم الحديث" (150) .

4- إبدال لفظة مكان أخرى : مثاله :
روى الحاكم حديث المُحرِم الذي وقصته دابته وفيه قول النبي – صلى الله عليه وسلم – ( ولا تخمروا وجهه ، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا ) ثم قال : " ذكر الوجه تصحيف من الرواة لإجماع الثقات الأثبات من أصحاب عمرو بن دينار على روايته عنه ( ولا تغطوا رأسه ) وهو المحفوظ " انتهى . "معرفة علوم الحديث" (148) .

5- إبدال راو بآخر : مثاله :
قال الحاكم : " صحف بقية بن الوليد في ذكر صفية ولم يتابع عليه ، والحديث عن جويرية " انتهى .
"معرفة علوم الحديث" (32) .
قال الحافظ العراقي "التبصرة والتذكرة" (2/298) :
" وقد أطلق من صنف في التصحيف ، التصحيف على ما لا تشتبه حروفه بغيره ، وإنما أخطأ فيه راويه أو سقط بعض حروفه من غير اشتباه " انتهى .

6- تغيير المعنى .
قال العراقي "التبصرة والتذكرة" (2/300-301) :
" ومن أمثلة تصحيف المعنى ما ذكره الخطابي عن بعض شيوخه في الحديث أنه لما روى حديث النهي عن التحليق يوم الجمعة قبل الصلاة قال : ما حلقت رأسي قبل الصلاة منذ أربعين سنة ، فهم منه تحليق الرؤوس ، وإنما المراد تحليق الناس حلقا " انتهى .

وقيل : التصحيف في اللغة العربية هو التحوير أو التحريف في الكلام والذي يحدث نتيجة جهل السامع أو القارئ .

وقيل ايضاً : التصحيف : هو تغيير في نقط الحروف أو حركاتها مع بقاء صورة الخط .

وقد وصف الأصمعيّ رجلاً بالتًصحيف، فقال: كان يَسمع فيَعِي غيرَ ما يَسمع، ويَكْتب غير ما وَعى، ويَقْرأ في الكتاب غير ما هو فيه.
وذكر آخر رجلاً بالتَّصحيف، فقال: كان إذا نَسخ الكِتاب مَرَّتين عاد سُرْيانياً.


وإليكم بعض قصص التصحيف التي وجدت معظمها في كتاب " أخبار الحمقى و المغفلين " لابن الجوزي :
- قال رجل لابنه وهو في الكُتاب: في أي سورة أنت؟ قال: في" أقسم بهذا البلد ووالدي بلا ولد" فقال أبوه: لعمري من كنت ابنه فهو بلا ولد.

- وروى ابن الرومي : خرج رجل إلى قرية فأضافه خطيبها فأقام عنده أياماً، فقال له الخطيب : أنا منذ مدة أصلي بهؤلاء القوم وقد أشكل علي في القرآن بعض مواضع، فقال: سلني عنها، قال: منها في " سورة الفاتحة " ، " إياك نعبد وإياك .... أي شيء تسعين أو سبعين؟" أشكلت علي هذه فأنا أقولها تسعين، أخذاً بالاحتياط .

- وروى يحيى بن بكير: جاء رجل إلى البشير بن سعد فقال: كيف حدثك نافع عن النبي صلى الله عليه وسلم: في "الذي نشرت في أبيه القصة" فقال الليث: ويحك إنما هو في" الذي يشرب في آنية الفضة".

- دخل عالم إلى مسجد في قرية ليصلي صلاة الجمعة فرأى أن أهل القرية يدخلون المسجد و كل واحد منهم يحمل قفة فيها مغرفة و خشبة و سكين و فأر ميت , فسأل إمام المسجد عن الأمر , فقال الإمام : أنا الذي أمرتهم بذلك , لأنني قرأت في كتاب عندي اسمه ( التيه ) حديثاً يقول : ( حدثنا بختي بن تحتي عن شعبان النوري أن النبي قال : لا تصح جمعة أحدكم إلا بقفة و مغرفة وخشبة وسكينة وفار ).
فقال العالم : أرني الكتاب .
فإذا هو كتاب ( التنبيه ) وإذا الحديث : حدثنا يحيى بن يحيى عن سفيان الثوري عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : لا تصح جمعة أحدكم إلا بعفة و سَكينة و خشية و معرفة ووقار .

- وروي أن ابن شاهين المحدث في جامع المنصور قال في الحديث:" نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تشقيق الحطب"، فقال قوم من بعض الفلاحين كيف نعمل والحاجة ماسة إلى الحطب؟ والصحيح : إنما نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن تشقيق الخطب أي أنه كره للخطيب أن يتكلف .

ومن الأخطاء اللغوية التي يقع فيها المتكلم , من ذلك : يقال : أعِرْني سمْعَك . والصواب: أرْعِني سمْعَك.
و يقال: أعنانِي الشيءُ وصوابه عَناني، بغير ألف.
و يقال : رجُلٌ أعْزَب. والصواب: عَزَب.
ويقولون: أغاظني فِعلُك، يُغيظُني. والصواب: غاظَني يَغيظُني .
و يقولون: قُبضت ألفاً تامّةً. والصواب أن يذكر فيقال: ألفٌ تام .
و يقولون: ما آليْتُ جَهْداً في حاجتك. ومعنى ما آليْتُ: ما حلَفْتُ، وتصحيح الكلام أن يقال: ما ألَوْتُ، أي ما قصّرتُ.
و يقال: الخاتم لما كان فيه فصّ أو لم يكن. والصواب أنه لا يدعى خاتماً إلا وهو بفصّ، فإن لم يكن به فصّ فهو حَلْقة.
ويقولون: سارَرَ فلانٌ فلاناً، وقاصَصَه وحاجَجَهُ وشاقَقَهُ، فيبرزون التضعيف . والصواب : سارَّ و قاصَّه و شاقَّه , قال الله تعالى: (وحآجّهُ قومُه).

والغالب بالتصحيف أنه وجد نتيجة لعدم أخذ العلم من منابعة وهم العلماء وما وقع لكثير من الناس الا لما أخذوا العلم من الصحف .

والتصحيف مشكلة قديمة ظهرت بعد ظهور الكتابة بالعربية نتيجة تشابه الحروف الهجائية قال حمزة الأصبهاني: وأما سبب وقوع التصحيف في كتابة العرب فهو أن الذي أبدع صور حروفها لم يضعها على حكمة ولا احتاط لمن يجئ بعده وذلك أنه وضع لخمسة أحرف صورة واحدة وهي: الباء والتاء والثاء والياء والنون وكان وجه الحكمة فيه أن يضع لكل حرف صورة مباينة للأخرى حتى يؤمن عليه التبديل 0

التنبيه على حدوث التصحيف:
كان الناس في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم يأخذون القرآن والحديث مشافهة من الرسول صلى الله عليه وسلم ويحفظون في صدورهم ثم لما كبرت الدولة الإسلامية بعد وفاة الرسول عليه السلام ومات كثير من القراء : تنبه الخلفاء فنقطوا اللغة خشية التصحيف .

وكان من المصحفين عدد كبير في دولة الإسلام من العلماء والقضاة والكتاب والأدباء والأمراء من القراء حيث لم يسلم من التصحيف إلا من أخذ العلم من أفواه العلماء وتظهر خطورة التصحيف عند قراءة القرآن والحديث الشريف وهي أسوأ مشاكل التصحيف وتشابه أسماء نقلة الحديث الشريف حيث ألف عدد من علماء الإسلام كتب في ذلك منها كتب المؤتلف والمختلف كالدار قطني والأزدي وبن ماكولا وبن نقطة وبن الصابوني والذهبي لأبن ناصر الدين الدمشقي حيث تصدوا للتصحيف وبينوا للناس جملة من هذا التصحيف من ألفاظ اللغة والشعر وأسماء الشعراء وأخبار العرب وأيامها.


ختاماً : زبدة التصحيف :

من رام أن يلقى تباريح الكربْ *** من نفســهِ فليأتِ أجلاف العَرَبْ
يرى الجمال والجلال والخشب*** والشَّعر والأوبار كيفما انقلب
أسرق أهل الأرض عن أم وأب *** واسمج الناس وأخزى من نهب
لا تعرف الأقدار فيهم والرتب *** ولا يبالون بأحرار النسب
لكن يغارون على حفظ النَــشــب.

وهنا عند التصحيف : تصبح أبيات الهجاء هذه مديحا كما يلي:

من رام أن يلقى تباريح الكرب *** من نفسه فليأت أحلاف العرب
يرى الجمال والجلال والحسب *** والشَعْر والأوتار كيفما انقلب
أشرف أهل الأرض عن أم وأب *** واسمح الناس وأجرى من يهب
لا تعرف الأقذار فيهم والريب *** ولا يبالون بإحراز النشب
لكن يغارون على حفظ النسـب.

هذه القطعة من " المقامة التغلبية " لليازجي , من كتاب " أحلى طرائف ونوادر اللغويين والنحاة " .


هذا مما جمعت لكم ,, " وتقبلوا تحياتي "